من الدار البيضاء، يفتح كتاب «SOIL – المانيفستو» للمهندسة المعمارية المغربية شيماء زركضي نافذة جديدة للتفكير في معنى البيت، لا باعتباره جدرانًا وسقفًا فحسب، بل فضاءً يحتضن الإنسان، ويصون خصوصيته، ويمنح يومياته معنى أعمق.
ماذا لو كانت بيوتنا مصممة وفق مقاييس لا تشبهنا؟ وماذا لو كانت المساحات التي نعيش فيها، بدل أن تمنحنا الراحة والطمأنينة، تزيد من شعورنا بالضيق والعزلة؟ من هذين السؤالين تنطلق شيماء زركضي في كتابها الجديد «SOIL – المانيفستو»، الصادر عن دار إشرقيا في أكتوبر 2026، لتقترح قراءة مختلفة للسكن، تعيد الإنسان إلى مركز التفكير المعماري.
في عالم تتسارع فيه وتيرة البناء، وتزداد فيه المدن اتساعًا، قد يتحول البيت إلى مجرد مساحة وظيفية، تُقاس قيمتها بعدد الغرف ومساحة النوافذ وموقعها الجغرافي. غير أن السكن، في رؤية زركضي، أوسع من هذه المعايير؛ فهو علاقة يومية مع الضوء والحركة والصمت، ومع الجيران والذاكرة، ومع التفاصيل الصغيرة التي تصنع شعورنا بالانتماء.
فالضجيج، وغياب الخصوصية، وضعف الإضاءة، وسوء توزيع المساحات، ليست مجرد اختلالات تقنية في تصميم المنازل، بل عوامل تؤثر في جودة الحياة، وفي علاقتنا بأنفسنا وبمن يشاركوننا المكان. ومن هنا، يدعو الكتاب إلى النظر إلى العمارة باعتبارها جزءًا من التجربة الإنسانية، لا مجرد استجابة لحاجات مادية.

السكن ليس مأوى للجسد وحده، بل مساحة تستطيع فيها الروح أن تستريح، وتجد فيها الحياة اليومية إيقاعها الطبيعي. وهذه الفكرة هي الخيط الذي يجمع مختلف محاور «SOIL – المانيفستو»، حيث يصبح تصميم المكان مدخلًا للتفكير في كيفية عيشنا، وفي نوعية العلاقات التي ننسجها داخله.
ولا تنطلق المؤلفة من قطيعة مع الماضي، ولا من حنين يرفض الحاضر، بل تسعى إلى بناء حوار بين المعارف المتوارثة ومتطلبات الحياة المعاصرة. ففي العمارة التقليدية، كما في التجارب الإنسانية المتراكمة، ما يستحق الاستعادة والتأمل؛ ليس باعتباره نموذجًا جاهزًا للاستنساخ، وإنما مصدرًا للإلهام وإعادة اكتشاف ما يجعل المكان أكثر ملاءمة للإنسان.
ومن خلال سبع ركائز، يقترح الكتاب إطارًا جديدًا لإعادة التفكير في الفضاء السكني، موجّهًا خطابه إلى السكان والمهندسين المعماريين وصناع القرار والفاعلين في القطاع العقاري. وهو بذلك يتجاوز حدود الكتاب المتخصص، ليطرح سؤالًا يمس الجميع: كيف يمكن أن نبني مساكن لا نكتفي بالإقامة فيها، بل نشعر فعلًا بأنها تشبهنا وتحتضن حياتنا؟
وتأتي أهمية هذا الإصدار من محاولته وصل المعمار بتفاصيل العيش، ومن دعوته إلى تجاوز النظرة التي تختزل نجاح المسكن في شكله الخارجي أو قيمته العقارية. فالمكان الجيد ليس بالضرورة الأكثر فخامة، بل الذي يمنح ساكنيه مساحة للراحة، ويحترم خصوصيتهم، ويساعدهم على بناء علاقة متوازنة مع أنفسهم ومحيطهم.
وشيماء زركضي، المهندسة المعمارية المؤسسة لاستوديو 33 Studio بالدار البيضاء وأكادير، تقدم من خلال هذا العمل امتدادًا لمسار مهني وفكري يتقاطع فيه الاهتمام بالفضاء مع البحث عن المعنى الإنساني للسكن.

إن «SOIL – المانيفستو» ليس دعوة إلى تغيير شكل البيوت فحسب، بل إلى مراجعة الطريقة التي نفكر بها في بنائها، وفي علاقتنا بها. فقبل أن نسأل عن مساحة المنزل ومواد تشييده، ربما يجدر بنا أن نسأل: كيف نريد أن نشعر داخله؟ وكيف يمكن للمكان أن يساعدنا على عيش حياة أكثر هدوءًا وتوازنًا وانتماءً؟
ذلك أن البيت، في نهاية المطاف، ليس المكان الذي نعود إليه فقط، بل المكان الذي ينبغي أن نجد فيه شيئًا من أنفسنا.
وبين الجدران التي تُشيَّد، والحياة التي تنبض داخلها، تقترح شيماء زركضي أن نعيد اكتشاف جوهر السكن: ألا نبني أماكن نعيش فيها فحسب، بل أماكن تصلح لأن نعيشها.
المجلة الفنية أول مجلة فنية إلكترونية مغربية متخصصة
