في مساء ربيعي مشبع بنبض الفن، تحول بهو قاعة باحنيني إلى منصة اعتراف بالجمال، حيث اجتمع العاشقون للمسرح حول صوت التجربة ووهج الحلم. هناك، جلس محمد الجم، بملامح الحكيم الذي خبر الخشبة، ليعلن انطلاق الدورة الرابعة عشرة من مهرجانه، وكأنه يفتح نافذة جديدة في جدار الزمن، تطل على شباب يكتبون حكايتهم الأولى فوق الركح.
لم يكن اللقاء مجرد ندوة، بل كان أشبه برقصة كلمات بين الذاكرة والمستقبل، حضرها الفنانون والإعلاميون، يتقدمهم مدير المهرجان إدريس الإدريسي، في مشهد تتقاطع فيه التجارب مع البدايات، وتتعانق فيه الأجيال داخل فضاء واحد.
المهرجان، الذي ترعاه أنفاس الشغف وتدعمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ليس مجرد تظاهرة عابرة، بل هو وعد متجدد بأن المسرح لا يموت، بل يولد كل مرة في صوت شاب، وفي ارتباك أول صعود إلى الخشبة. تحت شعار “الشباب دعامة للنموذج التنموي الجديد”، يتحول المسرح إلى مرآة تعكس تحولات المجتمع، وإلى جسر يعبر عليه الحالمون نحو ذواتهم.
وبصوت هادئ، يشبه نداء المعلمين القدامى، استعاد محمد الجم بدايات الفكرة، حين كان يؤمن أن الفن يمكن أن يسكن الفصول الدراسية، وأن المسرح ليس ترفًا، بل تربية للحس والروح. تحدث عن العوائق كما لو كانت ظلالًا عابرة، وعن الإصرار كضوء لا ينطفئ. كان واضحًا أن هذا المشروع ليس مهرجانًا فحسب، بل أثرٌ يريد أن يتركه في ذاكرة الزمن.
وفي الجهة الأخرى من الحكاية، رسم إدريس الإدريسي لوحة الأرقام التي تنبض بالحياة: آلاف الشباب، مئات العروض، وعشرات الفرق التي جاءت من كل الجهات، كأن المغرب كله قرر أن يقف على خشبة واحدة. من الإقصائيات الأولى إلى العروض النهائية، كانت الرحلة أشبه بنهر يتسع كلما تقدم، حتى بلغ مصبه في 12 فرقة تحمل أحلام جهاتها.
أما لجنة التحكيم، التي يرأسها عبد الحميد جماهري، فهي حارسة الجمال في هذه المغامرة، تزن الأداء بميزان الفن، وتبحث في التفاصيل عن تلك الشرارة التي تميز عرضًا عن آخر.
وعلى خشبات مسرح محمد الخامس ومسرح المنصور، ستولد الحكايات، وتتعالى الأصوات، وتتشكل لحظات لا تُنسى. وبين عرض وآخر، ستنمو الورشات كحدائق صغيرة، يتعلم فيها الشباب كيف يصوغون الجسد معنى، والصوت حياة.
وفي الختام، حين تُطفأ الأضواء في العاشر من ماي، لن ينتهي المهرجان، بل سيبقى صداه معلقًا في قلوب أولئك الذين تجرؤوا على الحلم… لأن المسرح، ببساطة، هو الحياة حين تُروى بشغف
المجلة الفنية أول مجلة فنية إلكترونية مغربية متخصصة
