؟
بقلم : إسماعيل بوقاسم
لم يكن اختيار غرفة التجارة والصناعة والخدمات بقلب الدار البيضاء مكانا لانعقاد المحطة الثالثة للمناظرة الأولى للمسرح صدفة بريئة، ولا ترفا تنظيما، بل كان اختيارا مرموزا وجهته تنسيقية المسرحيين البيضاويين إلى مدبري الشأن العام، الرمزية هنا تجاوزت لغة الاستعارات لتنطق بلغة الحقيقة أن المسرح ليس مجرد تنشيط بهلواني في مواسم متفرقة، بل هو ضلع ثابت في معادلة الصناعات الإبداعية، ومحرك جدي لعجلة الاقتصاد الوطني المستدام.
هذه المحطة الفكرية والنضالية المفصلية أعلنت رسميا عن تحول إستراتيجي في خطاب المسرحيين، إذ غادر النقاش مربع الجماليات والنصوص ليدخل مباشرة إلى مربع التدبير والحكامة، و بالتالي لم يعد السؤال كيف نصنع الفرجة، بل كيف تدار ميزانيات الثقافة في كبرى حواضر المغرب؟
في جلسة سادها غليان نقدي واضح، وفي توقيت سياسي حاسم يتزامن مع الأمتار الأخيرة من عمر الولاية الانتدابية الحالية للمجالس المنتخبة، جاءت منصة المناظرة لتشهد مواجهات ومكاشفات غير مسبوقة.
أولى هذه المفاجآت فجرها السيد أحمد بريجة، ممثل مجلس عمالة الدار البيضاء، الذي لم يتردد في ممارسة نقد ذاتي لاذع باسم المجالس المنتخبة، بريجة وضع إصبعه على الجرح النازف للمسرحيين حين انتقد بوضوح ضبابية الطريقة التي تدبر بها شركة التنمية المحلية “كازا إيفنت” الاتفاقية الإطار الخاصة بالثقافة.
الحديث هنا ليس عن النوايا، بل عن 8 مليارات سنتيم تبتلعها قنوات التدبير المفوض، في ظل غياب شبه تام للتواصل مع المهنيين وعلى رأسهم تنسيقية المسرحيين البيضاويين، بريجة اعترف بمرارة قائلا “نجحنا في كل شيء ومع كل شيء إلا مع المبدعين”، ملمحا إلى ضرورة صياغة شراكات خاصة ومباشرة تقطع مع وساطة الشركات التي تخنق الإبداع بدفاتر تحملات جافة، ومطالبا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل رحيل المجلس الحالي.
يطرح هنا تساؤل بنيوي يفرض نفسه، كيف لشركة التنمية المحلية (كازا ايفنت)، التي أُحدثت أصلا لتسريع وتيرة المشاريع وتجاوز البيروقراطية، أن تتحول هي نفسها إلى حجرة عثرة وبيروقراطية جديدة تعزل المهنيين عن مراكز القرار المالي والثقافي؟
من جانبه، قاد السيد مروان الراشدي، رئيس فريق الاتحاد الاشتراكي بمجلس جماعة الدار البيضاء، هجوما سياسيا مدعما بالأرقام الصادمة، مفككا جدار المبررات التي تتحجج بها الأغلبية المسيرة لمجلس المدينة، لاسيما وأن التحالف المسير للمدينة هو نفسه التحالف الحكومي، مما ينفي أي مبرر لتعثر التنزيل.
الراشدي وضع إصبعه على مكمن الجرح، معلنا ان الدار البيضاء تضم 16 مجلس مقاطعة، تخصص لكل منها سنويا ميزانية تقدر بـ 200 مليون سنتيم تحت بند التنشيط الثقافي، بعملية حسابية بسيطة، نحن أمام أزيد من 3 مليارات سنتيم سنويا تتبخر في أنشطة كرتونية وموسمية وحملات انتخابية دون أثر حقيقي على البنية الثقافية للمدينة أو على معيش المهنيين.
ولأن التنسيقية انتقلت من منطق الاحتجاج و جلد الذات إلى مربع الشريك الاقتراحي، طرح الراشدي معادلة رقمية وعملية لإنقاذ الوضع وتحقيق العدالة الشغلية والفنية للمسرحيين.
128 عرضا مسرحيا سنويا : بمعدل 8 عروض تلتزم بها كل مقاطعة من المقاطعات الـ 16.
40 عرضا مسرحيا سنويا : تتبناها وتدعمها شركة “كازا إيفنت” من ميزانيتها الضخمة.
المجموع: 168 عرضا مسرحيا مستداما في السنة، كفيلة بتحويل كازابلانكا إلى ورشة فنية مفتوحة طوال العام، تضمن حماية الحق الإنساني والعيش الكريم لأسرة المسرح التي بات وضعها “لا يسر عدوا ولا حبيبا”.
ولم تخل الجلسة الثالثة من المناظرة الأولى للمسرح بالدار البيضاء من تفاصيل دراماتيكية زادت من منسوب الاحتقان داخل قاعة غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الدار البيضاء سطات، فقد شكل سلوك ممثلة المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، السيدة جيهان الشاكري، مادة دسمة لغضب الحاضرين، الكلمة التي ألقتها الشاكري ظلت “حسب المتابعين والفعاليات الحقوقية” غارقة في العموميات والإنشائيات الحكومية، دون أن تلامس الدور الميداني المفترض للمديرية داخل تراب البيضاء، لكن المثير للاستياء لم يكن ضعف المضمون الفكري للكلمة فحسب، بل قيام ممثلة الوزارة بالانسحاب الفوري من القاعة فور إنهاء كلمتها، وهو ما اعتبره الحاضرون قفزة إلى الأمام وتملصا صريحا من مواجهة أسئلة مهنيي القطاع، وإفراغا للحوار المؤسساتي من معناه.
لم تكن هذه المحطة مجرد صرخة في واد، بل توجت بصياغة معالم خارطة طريق إستراتيجية قوامها النضج والنظرة الاستشرافية، وتتمثل في مخرجات غير مسبوقة أبرزها الدعوة إلى :
- وضع إطار تعاقدي وأخلاقي ملزم يربط الفرق المسرحية المحترفة بالمدبرين العموميين (مجلس المدينة، مجلس عمالة الدار البيضاء، ومجلس جهة الدار البيضاء سطات ومجالس المقاطعات، وشركة “كازا إيفنت”)، يقطع دابر المحسوبية والزبونية عبر التأسيس لقواعد الحكامة وتكافؤ الفرص والشفافية في الدعم.
- الإسراع بتوقيع اتفاقية بين مجلس المدينة وتنسيقية المسرحيين لكسر احتكار الوساطة الإدارية والمالية لشركات التنمية المحلية.
- رصد ميزانيات قارة لحماية وصيانة المسارح والمراكز الثقافية بالمدينة، لتتلاءم مع الهوية الطموحة للمدينة كقطب مالي وقاري.
إن الخلاصة الأساسية لمناظرة الدار البيضاء تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن معركة مسرحيي العاصمة الاقتصادية لم تعد معركة نصوص ورسائل من فوق الخشبة، بل تحولت رسميا إلى معركة عدالة مجالية، وحكامة مالية، وإرادة سياسية حقيقية تعيد للمسرح هيبته في قلب مخططات تنمية مغرب الغد.
فهل ستلتقط المجالس المنتخبة هذه اليد الممدودة، أم أن “كازا إيفنت” ستظل تغرد خارج سرب الإبداع؟
المجلة الفنية أول مجلة فنية إلكترونية مغربية متخصصة
