الخميس , 3 ديسمبر 2020
الرئيسية » أسفار » “أغمات” سجن وقبر الملك الشاعر المعتمد بن عبــــــــــــــــاد

“أغمات” سجن وقبر الملك الشاعر المعتمد بن عبــــــــــــــــاد

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فجاءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس مايملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في التراب والأقدام حافية
كـأنها لم تطأ مسكا وكافورا
من بات بعدك في الملك يسر به
فإنما بات الأحلام مغرورا

هده بعض  من مقاطع أشعار الملك الشاعر أسير “أغمات” المعتمد بن عباد ملك اشبيلية في القرن الحادي عشر الذي قضى سجينا رفقة زوجته”الرميكية” في سجن يوسف بن تاشفين بمدينة اغمات أهم حواضر المغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط وفيها لقي من الذل والحاجة ما تفيض مصادر التاريخ في وصفه.

                              

عاش المعتمد بن

عباد (1040_1095) في عهد ملوك الطوائف حيث تقاسمت الدولة الأموية الأندلس إلى احد وعشرين دولة لكل منها عرش وجيش ،وقد ولي بن عباد اشبيلية بعد وفاة أبيه ليمتلك بعدها قرطبة وليتسع سلطانه حتى مدينة مرسية
وقد تحول هدا الملك الشاعر في عصره إلى أسطورة بسبب جمعه بين البسالة والرقة والشعر ،واشتهر بحبه الجارف لجاريته “الرميكية” التي تزوجها وجعل منها سيدة اشبيلية ،وما خلده التاريخ من حكاية المعتمد بن عباد الذي لايذكر إلا وتذكر اعتماد الرميكية – زوجته الشهيرة ، التي عاشت تحتل مكانة بارزة في حياة المعتمد، حتى أنها كانت لسمو مكانتها وتمكن نفوذها يطلق عليها اسم “السيدة الكبرى”.
وكانت – والعهدة على كتب التاريخ وكتابات المهتمين والباحثين- تغالي في دلالها على المعتمد، ومن ذلك، أنها طلبت منه أن يريها الثلج، فزرع لها أشجار اللوز على الجبل المقابل للقصر، حتى إذا نوّر زهره بدت الأشجار وكأنها محملة بالثلج الأبيض. ومن ذلك أيضا، أنها رأت نساءً يمشين في الطين، في يوم ممطر، وهن يتغنين فرحات، فاشتهت المشي في الطين، فأمر المعتمد أن يُصنع لها طين من الطيب، فسحقت أخلاط منه وذرت بها ساحة القصر، ثم صب ماء الورد على أخلاط المسك وعجنت بالأيدي حتى عاد كالطين، فخاضته مع جواريها.
غير أن مايمكن أن يجلب العذر للمعتمد، في سياق الحديث عن ملوك الطوائف أنه “كان صوّاماً قوّاماً زاهداً مُتقشِّفاً لم يكن يأكل سوى خبز الشعير، ولحم الإبل، وشرابه لبن النوق

والمعتمد العاشق حتى الضياع، هو نفسه الذي تذكر عنه كتب التاريخ مواقف جميلة تنم عن صفاء طوية ونخوة كامنة. تقول كتب التاريخ : “ولما خوّفه بعض حاشيته من ابن تاشفين، وقالوا : الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، أجابهم : “تالله إنني لأوثر أنْ أرعى الجمال لسلطان مراكش، على أنْ أغدو تابعاً لملك النصارى، وأنْ أؤدي له الجزية. إن رعي الجمال خير من رعْي الخنازير
وكان فصيحا وشاعرا بديع القول اجتمع على بابه أعلام الشعر في عصره من أمثال أبي بكار بن عمار وابن زيدون وابن اللبانة …
وله في البطولات معركة “الزلاقة” التي انتصر فيها بدعم جيش يوسف بن تاشفين الذي لب نداء انقاد ملوك الأندلس أنداك بعد تشرذمهم وضعفهم بسبب الإسراف في الملذات ..فكانت معركة الزلاقة(479ه) التي أبلى فيها المعتمد بن عباد أشد البلاء وأوقع هزيمة نكراء بأفونس السادس .

الملك الأسير

تفضيل أمير المؤمنين أنداك يوسف بن تاشفين الملك المعتمد بن عباد على باقي ملوك الأندلس اثر الضغينة وسعوا المغرضين المقربين من البلاط التوقيع بين الرجلين وأسرو لابن تاشفين أن بن عباد موغل في الترف والفحيشة ..ومازالوا كذلك حتى أمر يوسف بن تاشفين بقتل ولدي المعتمد لتقوم معركة شديدة بين أهالي اشبيلية وجيش البربر الذي استقدمه بن تاشفين لنصرة الأندلس ،وقد كانت معركة حامية الوطيس دافع فيها المعتمد عن مملكته حتى سقط أسيرا بعد مقتل ولديه حيث استقدمه بن تاشفين وأسرته  إلى سجن اغمات نواحي مدينة مراكش المغربية فقيرا مجردا من ماله وعزته حتى قضى ودفن هناك .قد تكدست حوله أسباب الشقاء فأشفقت عليه أصدقاؤه وأعداؤه على سواء, ولقد ذل بعد عزة, وأسر مع أبنائه وجيرانه, وصفد بالأغلال على مشهد من أمته وانتزع من قصره بالأندلس, وسيق إلى سجنه بأفريقية, والناس على طول الطريق . .
فقد أذن يوسف بن تاشفين لجيوش المرابطين بإسقاط عرش المعتمد فاندفعت تلك الجيوش نحو “رندة” ذات الحصون فاستولوا عليها وقتلوا ولده “الراضي” ثم اندفعوا نحو “قرطبة” ففتحوها وقتلوا ابنه “المأمون” وتقدمت قواتهم فأخضعت اشبيلية في الثاني والعشرين من رجب سنة 484ه – 1091 م وهاجمت فرقة منها في صبيحة ذلك اليوم قصر المعتمد فتسورته
وفي أصيل ذلك اليوم داهمت القصر جموع من الأندلسيين والمرابطين لا قبل للمعتمد بها فاستسلم فقبض عليه, وأحكم وثاقه وأودع مع أفراد أسرته سفينة سارت في الوادي الكبير والناس على الشاطئين يعتبرون أو يبكون, ثم عبر بهم المضيق إلى أفريقية, وسيق إلى أغماث حيث ترك في سجنها ومعه زوجته الرميكية – أم الربيع وبناته يقاسمنه الآلام تارة ويحركن ساكن أشجانه أخرى

مدينة أغمات

توجد هده المدينة الأثرية على بعد نصف ساعة من الزمن من مدينة مراكش المغربية وتعد من أهم حواضر المغرب الإسلامي، ويصفها الجغرافيون كقاعدة ادريسية مزدهرة لشساعتها أنداك حيث كانت مقصد التجار والغرباء لقصورها الضخمة وأسواقها الكبيرة وجامعتها الشهيرة
وقد استقر بها المرابطون أثناء زحفهم إلى نحو المناطق الشمالية ولم يغادروها إلا بعد قرار تشييد مدينة مراكش على بعد 30 كلم منها وتحديدا سنة 1062 م
وفي عهد يوسف بن تاشفين وبعد عودته من الأندلس تحولت أغماتإلى مقر لإقامة ونفي ملوك الطوائف بعد توحيد الأندلس ومنهم بالإضافة إلى المعتمد بن عباد ملك اشبيلية ،عبد الله بن زيري ملك غرناطة
وقد لعبت أغمات دوراً هاماً في التاريخ المغربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً فقد كانت مدينة محصنة وكان عقبة بن نافع أول من اقتحم أسوارها واستولى عليها لأهميتها الإستراتيجية، فهي نقطة اتصال رئيسية بين الشمال والجنوب المغربي عبر الأطلسي الكبير، ومنها كانت تنطلق الرحلات إلى الأراضي المقدسة بالحجاز، ولهذا اشتهر أهلها بالتجارة وملكوا ناصيتها في عصرهم
وقد تعرضت أغلب مكونات هده المدينة الأثرية إلى التدمير والاندثار ولم تبقى إلا بعد الأجزاء من الحيطان والأسوار شاهدة على زمن ملئ بالانتصارات والانكسارات

ضريح الملك المعتمد بن عباد

في العام 1970وتحديدا في ربيع هده السنة قررت وزارة الثقافة المغربية بناء ضريح على قبر المعتمد بن عباد وزوجته اعتماد الريميكية وابنه وهو عبارة عن قبة مصغرة تتوسطها نافورة أندلسية تطابق في شكلها وهندسة مداخلها وقببها الهندسة المرابطية وتوجد في فضاء خال تحيط به الأشجار من كل جانب، ولا يوجد بالضريح إلا حارس وحيد يفتح أبواب الضريح صباحا ويغلقها ليلا ،ويشرف على عرض مؤلفات بن عباد وينظم عمليات التوقيع في دفتر الزوار الذي يحمل توقيعات من كل أنحاء العالم وبجميع لغات الأرض
وقد تحول هدا الضريح الذي تتزين حيطانه بأبيات شعرية من نظم الشاعر يرثي فيها حاله ،إلى محج للزوار من مختلف أرجاء العالم خاصة وأن الصدف الغريبة قد جعلت من الحافلة التي تنطلق من مراكش في اتجاه “أغمات” تنطلق من أمام باب ضريح سجانه يوسف بن تاشفين إلى ضريح بن عباد والعكس صحيح
ومن يدري ربما يحمل بن عباد  الراقد في قبره مع حسرته الشئ الكثير مع زواره ليوسف بن تاشفين ! ؟

شاهد أيضاً

الدار البيضاء .. توقيع اتفاقية لإعادة تهيئة وتجديد واستغلال فندق لينكولن الشهير

وقعت الوكالة الحضرية للدار البيضاء والمجموعة الفرنسية لتطوير المجالات الترابية ريالتي “REALITE “، من خلال …