الجمعة , 13 ديسمبر 2019
الرئيسية » TV و سينما » بوشعيب الخياطي : ​دعم الإنتاج السينمائي المغربي الحاجة إلى تصحيح المسار

بوشعيب الخياطي : ​دعم الإنتاج السينمائي المغربي الحاجة إلى تصحيح المسار

كلما عقدت لجنة دعم الفيلم السينمائي المغربي إحدى جلساتها بشأن التداول في المشاريع المعروضة على أنظارها ، إلا وانتظر أصحاب هذه المشاريع النتائج التي ستسفر عنها مداولات هذه اللجنة . ومباشرة بعد إعلان النتائج تتضارب الآراء بين مثمن لقرارات اللجنة ، وبين منتقد لها . هذا الواقع أصبح مألوفا ومتواترا منذ أن أنشئ صندوق الدعم سنة 1980 وإلى حدود الساعة . فالرضى التام عما يقدمه هذا الصندوق لم يتحقق أبدا سواء على مستوى ما يخصصه من اعتمادات سنوية لفائدة المشاريع السينمائية ، أو على مستوى توزيع هذه الاعتمادات . لقد كانت قراراته على الدوام محط انتقاد ، ولم تحظ في أي وقت من الأوقات بإجماع المهتمين بالشأن السينمائي في بلادنا .

لكن دعونا نعترف أولا أن صندوق الدعم قد أسهم في بعث الحياة في الجسم السينمائي المغربي ، وضخ دماء جديدة في شرايينه ، من خلال توسيع دائرة الإنتاج ، وتحريك عجلته ، ومن شك في ذلك فلينعش ذاكرته وليستحضر معاناة الجيل الأول من السينمائيين المغاربة الذين اعترضتهم صعوبات جمة حالت بينهم وبين إنجاز ما كانوا يطمحون إلى إنجازه ، يكفي فقط أن نذكر أن حميد بناني لم ينجز خلال ثلاثين سنة إلا فيلمين طويلين . ومن ساوره الشك أيضا في الدور الذي قام به صندوق الدعم في تسريع وثيرة الإنتاج السينمائي المغربي فليقارن بين وضعية الإنتاج قبل إنشاء صندوق الدعم ووضعية الإنتاج بعد إنشاء هذا الصندوق . فبالكاد كان السينمائيون المغاربة ينجزون ما يقارب الفيلمين في السنة قبل الإنشاء ، غير أنهم استطاعوا بعد الإنشاء أن ينجزوا أكثر من ذلك حتى وصل الأمر إلى ما يقرب من عشرين فيلما سينمائيا في السنة .

 

إذا كان صندوق الدعم قد أسهم بالفعل في تسريع وثيرة الإنتاج السينمائي ، وأتاح الفرصة لمجموعة من الوجوه الجديدة أن تقتحم عالم الإخراج السينمائي ، وأثرى الفيلموغرافيا الخاصة بالكثير من السينمائيين المغاربة ، فهل استطاع بالفعل أن ينهض بالمستوى الفني للمنتج السينمائي المغربي ، وأن يدفع به في اتجاه منافسة الأعمال السينمائية التي تنتمي على الأقل إلى بلدان إفريقية أو آسيوية ؟

 

الحق أن التغييرات التي عرفها صندوق الدعم سواء خلال سنة 1987 أوخلال سنة 2004 قد مكنت من تجاوز مجموعة من الاختلالات سواء على مستوى اختيار لجنة الدعم أو على مستوى معايير انتقاء المشاريع المستحقة للدعم . إلا أن هذه التغييرات لم تستجب لأفق انتظارات جمهور السينما بالمغرب . فلازالت الأصوات تتعالى منادية بالإصلاح داعية إلى إعادة النظر في تركيبة لجنة الدعم بما يضمن مزيدا من الحياد والاستقلالية ، وإلى تدقيق أكثر في المعايير المعتمدة في الدعم حتى لا يتكافأ الجيد و الرديء ويوضعان معا في سلة واحدة . كذلك فإن سياسة الدعم لم تحقق ما كان منتظرا منها على المستوى الفني ، فأغلب المتابعين للشأن السينمائي المغربي يكادون يتفقون على أن الكثير من المنجز السينمائي المدعوم قد خرج إلى الوجود بصورة ضعيفة للغاية سواء على مستوى القضايا التي عالجها ، أو على مستوى أسلوب المعالجة ، ويستدلون على ذلك بالنتائج المخيبة التي يجنيها هذا المنجز السينمائي في الملتقيات السينمائية العالمية ذات التاريخ العريق و ذات الإشعاع الواسع ، وعلى ردود الفعل السلبية الصادرة عن المشاهدين بحق معظم الأعمال السينمائية المغربية .

 

والحق أن صندوق الدعم في حاجة دائمة إلى المراجعة ، ولا يمكن لأي كان أن يدعي أن له عصا سحرية للإصلاح ، بل إن هذا الإصلاح لن يتأتى إلا من خلال تفكير جماعي متأن ومتبصر تحكمه المعايير الفنية ، ويحترم القواعد القانونية ، ويتعالى على الحسابات الضيقة  . فالسينما التي يراد لها أن تنهض وتتطور وتكون رافعة من رافعات التنمية  هي سينما المغاربة جميعا بغض النظر عن معتقداتهم وأطيافهم السياسية وخلفياتهم الفكرية  . وعليه فإن أي تفكير في الإصلاح يستبعد هذه المعطيات لن يستطيع أن يرضي أحدا ، وسيعيد تكرار الأسطوانة القديمة من جديد .

 

ولكن هل يكفي أن يقوم صندوق الدعم بالمهام المنوطة به في تمويل المشاريع السينمائية لكي نتحدث عن صناعة سينمائية وطنية ؟ الواقع أنه لا يمكن ذلك في غياب العناية بعنصر أساسي في كل صناعة سينمائية وهو المتلقي . فكثير من الأعمال السينمائية المغربية المدعومة لم تعرف طريقها إلى القاعات السينمائية بفعل اشتراطات التوزيع  ، بل إن الذي كتب له ذلك لم يحظ إلا بنسبة مشاهدة ضعيفة نظرا إما لتقلص فضاءات العرض وإما لتواضع المعروض . فعدد القاعات السينمائية يتداعى بالتدريج سنة بعد أخرى إذ تقلص إلى ما يقرب من أربع وعشرين قاعة ،مع أن المغرب السينمائي يحتاج إلى آلاف القاعات السينمائية ، الشيء الذي أفضى إلى تناقص زبناء السينما بالمغرب إذ تشير بعض الإحصائيات إلى أن مرتادي القاعات السينمائية قد تراجع بنسبة مهولة  بين بداية الثمانينيات من القرن الماضي ونهاية العقد الأول من القرن الحالي .

 

أمام هذا الواقع يصبح الحديث عن دعم الإنتاج السينمائي عديم الفائدة ، لأن الإنتاج السينمائي المدعوم سيبقى بعيدا عن المتلقي الحقيقي ، أو سيبقى سجين الرفوف ، وفي أحسن الأحوال سيكون محدود التداول إذ لن يتمكن من مشاهدته إلا من حالفه الحظ في أن يكون قريبا من إحدى دورالعرض ، أو من ألزمته ظروفه المهنية من متابعة المهرجانات الوطنية أو الدولية .

 

وعليه لابد من التفكير الجدي في مواجهة هذه المعضلة ، والأمر ملقى على عاتق الدولة مثلما هو ملقى على عاتق الفاعلين السينمائيين . فلابد للدولة أن تتدخل من أجل بناء قاعات سينمائية جديدة ، أو إصلاح القاعات القديمة وفق منظور عصري حداثي  سواء عن طريق الميزانية العامة أو عن طريق الميزانيات المنقولة للجماعات الترابية ، كما يجب عليها أن تشجع الخواص تشجيعا حقيقيا للاستثمار في هذا المجال . أما السينمائيون المغاربة فعليهم أن يخلقوا جمهورهم الخاص الذي يجعل من السينما جزء من حياته الخاصة ، ولن يتأتى لهم ذلك إلا بتقديم الجيد الممتع الذي لا يسبح كثيرا في عالم التجريب والإيهام ولا ينحدر إلى أقصى درجات الابتذال والسطحية ، بما يساعد على شذ الانتباه ويدفع إلى النقد والمساءلة وطرح الأسئلة واقتراح الإجابات وبالتالي المساهمة في إعادة بناء المنتج السينمائي . حينذاك يمكن أن نتحدث عن  صيغة تسبيقات على المداخيل التي سنها المركز السينمائي في الأعوام السابقة أو عن أية صيغة محاسبية أخرى ، لأن الفيلم السينمائي المدعوم سيخرج إلى الوجود بصفته الإبداعية والتجارية ومن الممكن أن يغطي تكاليفه ، بل يمكن أن يحقق الربح أيضا وتلك غاية مشروعة لأي منتج بعض النظر عن طبيعته وشكله .

 

شاهد أيضاً

“خلوه يهضر” فاتي في كلاش جديد + فيديو

https://www.youtube.com/watch?v=xL_LTJwFXnc

تعليق واحد

  1. Analyse objective et propos judicieux.Intervention rarement parcourue,malgré tout ce qui se dit ici et là,meme d’après ceux qui prétendent être des spécialistes. en la matière.