الأحد , 19 سبتمبر 2021
الرئيسية » الرئيسية » مجموعة ناس الغيوان المجموعة الغنائية التي تحولت إلى أسطورة

مجموعة ناس الغيوان المجموعة الغنائية التي تحولت إلى أسطورة

تقديــم:

العوامل التي ساعدت على ظهور فرق عالمية جامحة وصادمة في العالم أواخر الستينات وبداية التسعينات(ك مجموعة البينك فلويد البريطانية ومجموعة الأبواب الأمريكية والخنافس البريطانية ومجموعة التسكع الجميل..) هي نفسها العوامل التي ساعدت على انطلاق فرقة ناس الغيوان في المغرب التي وان وفرت للشباب فرصة إطلاق شعورهم والرقص على إيقاعات مختلفة مثل باقي الفرق العالمية فإنها حافظت على خصوصيتها المتمثلة في الإيقاعات الشعبية المغربية والأشعار والكلمات التراثية التي تستحضر الديني الصوفي واليومي المعاش والحكم والأمثال الغارقة في ماهو مغربي ..وتلك من أسرار خلود هده الفرقة الغنائية.

تأسست مجموعة ناس الغيوان عام 1970 من طرف روادها بوجميع والعربي باطما وعمر السيد وعلال يعلى، وهي الأسماء التي تحولت فيما بعد إلى أسطورة في الغناء المغربي والعربي . سنة على تأسيسها تقرر الفرقة إضافة عضوين للمجموعة هما عازف الكنبري عبد العزيز الطاهري وعازف العود محمود السعيدي اللذان غادرا المجموعة بعد الوفاة المبكرة لبوجميع الذي كانت نهايته صادمة لجمهور المجموعة ولتتعزز الفرقة بالمعلم الكناوي عازف الكنبري الشهير عبد الرحمان باكو ..ولتبقى بعد ذلك ملاذا لصناع الغناء الهادف والملتزم في المغرب وحتى بعد رحيل أحد صناع مجدها العربي باطما.
فقد حملت ناس الغيوان ومنذ طهورها الأول على عاتقها مهمة إعادة الاعتبار للأغنية الشعبية بمقاماتها وأغراضها وأدواتها الموسيقية وقد استطاعت المجموعة بالفعل أن تؤسس لنفسها مكانة مختلفة اعتمدت بالأساس على فلسفة غنائية طالما افتقر ويفتقر إليها التقليد الغنائي في الثقافة العربية .

الظاهرة الغيوانية

تأثرت الأغنية الغيوانية بالمحيط العام للأغنية في العالم، الشعبية منها، التي جاءت كجواب على ضرورة ملء الأغنية بدلالات شعبية تتناسق وآلام ومطامح وأحلام الفئات الشعبية المحرومة بالأساس
يذهب بوجمعة زوليف المختص في الظاهرة الغيوانية إلى أن تسمية ناس الغيوان بـ”الدراويش الجدد”، وناس الغيوان هو الترجمة المطابقة لأهل التجوال، التي تفسر بشكل إيجابي بتوابع المغامرة والتسكع والغناء والاحتفال…
وهي احتفالية تتوضح حين نعلم أن بعض الأفراد من المجموعة قد كانوا ملتفين حول المسرحي الطيب الصديقي منذ 1967 الذي كان حينئذ مدير المسرح البلدي بالدار لبيضاء و شاركوا في مسرحيات ذاع صيتها كمسرحية ”الحراز” و”سيدي عبد الرحمان المجذوب” أو ”مقامات بديع الزمان الهمداني”
أدخل ناس الغيوان للتراث الموسيقي المغربي حسب المختص في الظاهرة زوليف ، تقلبات شكلية طالت الأشكال العربية الأندلسية أو المصرية/الشرقية، والأشكال الزنجية الإفريقية من جهة أخرى، وثارت الأغنية الغيوانية أساسا ضد الشكلين السائدين للأغنية الوطنية: الأغنية العصرية التي تستوحي الشرق (المشرق)، التي هي بمثابة تحول ماسخ يمارسه تغريب الأشكال العربية، خاصة منها المصرية/اللبنانية، كما تمارسه الأشكال الغربية بصفة خاصة، وهي الأشكال التي كانت تجربتها بئيسة، والشيء نفسه يقال بالنسبة لعصرنة الآلات الموسيقية يختم المختص في الظاهرة.
وإعادة الاستماع لاغاني مجموعة ناس الغيوان سيجد أنها كانت باستمرار منبر بوح وتعبير صادق خاصة في سنوات مغربية مريرة أسمتها المنظمات الحقوقية بسنوات الجمر أو سنوات الرصاص

مجاذيب ومجانين

غالبية الدراسات التي رصدت الظاهرة الغيوانية وان تمادت في التركيز على الجوانب الفنية للمجموعة المرتبطة بالإيقاعات والألحان والغناء والكلمات فإنها للأسف لم تركز كثيرا على الجانب الإنساني المفعم الذي ميز عددا من أعضاء هذه الفرقة وبشكل خاص صناعها العربي باطما وبوجميع
فقد جاءا معا من أكبر الأحياء الشعبية في المغرب “الحي المحمدي ” بالدار البيضاء ويشتركان معا في كونهم لم يتابعوا دراستهم، وأنهم عاشوا حياة تسكع وهامش أثناء وبعد الاحتلال الفرنسي ، الأمر الذي يعكس إلى أبعد الحدود طبيعة الأشعار التي غنتها المجموعة وخلدتها ابتداء من أشعار الجوال التائه سيدي عبد الرحمن المجدوب وعدد من المجاذيب الذين ذاقوا من الحياة كل أشكال الظلم والجور والحرمان وكتبوا أزجالا حولتها الغيوان إلى أغاني خالدة توارثتها الأجيال
فناس الغيوان حسب كل الدراسات التي اقتربت من الظاهرة هم مجموعة من المجاذيب المجانين حملوا على عاتقهم مهمة البوح بجراحات الناس البسطاء ، وبرغم الشهرة الواسعة التي حضوا بها فقد عاش أعضاءها حياة عادية ورحل صناعها إلى دار البقاء “بوجميع وبعده باطما ” بعد معاناة مع مريرة مع المرض وفي دلك ماتعكسه أغنيتهم الرائعة “غادي في حالي ”
نقول كلامي غادي فحالي (أقول كلامي وأرحل )
قولوا لأمي وقولوا لأختي
كلها وفين جاتوا
فهاد الزمان كلشي غضبان
المرض والحزون وأنا محزون
الصبر فصدري جنوي (سكين) مدفون …..

وبرغم من أن مجموعة ناس الغيوان لم تؤمن بالالتزام بمبدأ سياسي معين فإنها كانت قريبة جدا من الهموم السياسية للأمة ككل وفي أغنية “شوفوا العجب ” مايعكس هذا الانتماء العربي الضاج لهموم الأمة العربية

شوفوا لعجب مابقينا عرب
احنا حيوط قصار جماعة في دوار
فاق الكهف وأصحابه ولاجبنا خبار
شوفو لعجب جماعة في دوار
لحصاد والدراس فينا لعصا ولبكا علينا
ها اللي شاد من لقرون فينا وفينا يحلب
ماانتم كفار ولامجوس تعبدو النار
ماانتم مسيح ولامسلمين منكم لخيار
شوفو لعجب ما بقينا عرب

القضية الفلسطينية

ما بين سنتي 1973 ـ 1974 غنت مجموعة ناس الغيوان ثلاثية فلسطينية تتكون من ”مزين امديحك” و”يا صاح” و”غير خدوني” ، ولقد عكست هذه الأغاني التي عرفت تجاوبا جماهيريا واسعا روحا نضالية كبيرة لأعضاء الفرقة
فالغيوان حسب المختصين طرحوا القضية في إطار رومانسي ـ صوفي بين الأمل واليأس، والاستجابة والتحدي:

مولانا صرختو قريبة لعلم ماراد بين حرف الكاف والنون
ويرد الراشية جديدة
سيدي ما تضرك عليه المكنون
والله إلا بغا ينطق لكون الحجار الصامتة تتكلم.
والله إلا بغا يصدق لكون العبد في صدفة يغنيه.

وفي أغنية يا ”صاح” يقدم نص الغيوان الإنسان العربي الفلسطيني في قمة العزلة يواجه مصيره لوحده، ولكن النص يقدم لهذه الوضعية بابتهال إنسان ينطق بنفس ضمير المتكلم، قد يكون الإنسان الفلسطيني منظورا إليه بعين مغربية غيوانية.

يا صاح راني وسط الحملة ورخيت الشملا ومافات الحملا
إلا تفاجا الضباب الداير بينا يا هلي وصلح الوقت
وصار علمنا واقف على دربنا يا هلي
اليوم نصبغو دارنا بالبيض
وينا وينا شاوروا علي
أولفي والدنيا ما تدوم.
بكاو حتى عياو بالدمع نجالي
حالي تبدل حالو هذا حوال
والعديان فجنابي كلها يشالي
شي سالب عقلي شي عجبو الحال
وأنا وسط الحملة وحدي نلالي

أما الأغنية الثالثة من الثلاثية فهي أغنية ”غير خدوني”، تضع القضية الفلسطينية بين يدي الإنسان ليكتب قدره بالدم ويقرر مصيره بالاستشهاد:

غير خدوني لله خدوني قلبي جابين يد الحداد
ينزل الضربة على الضربة ويلا برد زاد النار عليه
سيل سيل بالدم المغدور الدم المغدور ما نسلم فيه
حق المظلوم أنا ماندوزو يا طاعني من الخلف
موت واحدة هي غير خدوني.

وهنا حسب عدد من القراءات تبشير بالنصر ، والدم “المغدور” على الساحة القومية والفلسطينية له لون واحد وألم واحد… والطعنة من الخلف (الخيانة) لا يجهلها أي عربي من جيل النكبة أو جيل الهزيمة، وعلى الصعيد العالمي تكتسب أسطورة الدم واقعيتها وعليتها من تجربة شعب ”فيتنام”، الذي قابل باستشهاد أسطورة التكنولوجيا الأمريكية.
وفي سنة 1977 ظهرت للغيوان ثلاثية أخرى يمكن الاصطلاح عليها بالثلاثية القومية، وهي مشتملة على الأغاني التالية: ”نرجاكانا” و”ضايعين” ”الشمس الطالعة”، وهذه الفترة عرفت بمرحلة التراجع والردة، وقد كان صلح ”كامب ديفيد” و”مجزرة تل الزعتر” و”النزيف اللبناني” أهم علامات الردة في هذه المرحلة…

مختبر للغناء

وبالرغم من السنوات الطويلة على ميلاد مجموعة ناس الغيوان وبرغم انطفاء عدد من تجارب المجموعات الغنائية التي تزامنت والغيوان ، فإنها لاتزال مشعة وجمهورها بمختلف الأعمار والانتماءات يأبى أن يكف عن الاستماع لملاحم هده الفرقة التي تأسست من الهامش لتصبح مركزية في الذاكرة الغنائية الشعبية المغربية والعربية ، فالغيوان أحد عناوين المغرب الثقافي والفني حسب الناقد والشاعر حسن نجمي الذي يذهب إلى أن ناس الغيوان لم يكونوا ظاهرة غنائية بل مختبر للغناء الذي صنع التاريخ وخرج من رحم التاريخ

شاهد أيضاً

الكاتب العام للمنظمة المغربية للمهن الفنية والصناعات الثقافية الأستاذ شفيق بورقية في حديث “للفنية”

شهدت مدينة اكادير قبل أشهر ميلاد إطار جمعوي جديد اختار له المؤسسون اسم (المنظمة المغربية …