الثلاثاء , 25 أغسطس 2026

في ذكرى الراحلة علية التونسية

  … وتمر 31 سنة على رحيل الفنانة العربية الكبير علية التونسية ، لنسجل دائما وبكل الأسى والأسف غياب الإعلام العربي عن المواكبة والتوثيق ، لنؤكد على أن امة بدون إعلام يمكن اعتبارها امة بدون ذاكرة ، ولأشير هنا ، كما أشرت في العديد من  المناسبات   والملتقيات إلى خطورة اهتمام الإعلام العربي بشكل عام ، خصوصا منه السمعي والمرئي ، بالفقاقيع وبالتفاهات والكليبات السخيفة شكلا ومضمونا ، ومن المؤسف حقا أن يتنازل الإعلام عن دوره الرائد في دعم الإبداع الغنائي والموسيقي العربي بشكل عام ، ليتحول ( هدا الإعلام ) إلى وسائل لتلميع ( القردة والمتسلطين ) ، وتقديمهم للجماهير بالمساحيق والألوان على أنهم  فنانين وفنانات ومطربين ومطربات ، وأؤكد لكم أن الواحد أو الواحدة من هؤلاء الببغاوات لا يعرفون ولا تعرفن حتى المقام الموسيقي الذي  تعزف عليه الفرقة الموسيقية لهم أو لهن ليتصايحن فوق المنصات ، والإعلام الرخيص يتابعهم ويتبعهن بالمواكبة ( على قد الحلاوة والهدايا ) ، مؤسف جدا هذا الوضع ، وهو وضع نعيشه عربيا أيضا ، ويندرج فيه ، إلى جانب الإساءة  إلى جوهر الإبداع العربي : نظما ولحنا وغناء ) ، الإساءة إلى المبدعين الاصلاء أنفسهم ، ووسط هده الفوضى  المفتعلة التي تشهدها الساحة الغنائية العربية ، قد ضاعت القيم واهضمت حقوق مادية ومعنوية للفنانين الحقيقيين الذين أعطوا كل شئ ولم ياخذوا اقل حق من حقوقهم المعنوية ، فأحرى أن يحظوا بالحصول على حقوقهم المادية كاملة ، وفي هذا الاتجاه ، وأنا اقلب أوراقي ، أقف مع فنانة عربية كبيرة علية التونسية ، الصوت الغنائي القوي الذي يحمل السحر والعبق ، حتى الاداعات العربية لم تعد تهتم بتقديم أغنيات هده الشامخة في أدائها ، الطيبة والنبيلة في شخصيتها.

   الفنانة علية التونسية ، هي من مواليد عام 1936 بتونس ، وتنحدر أصلا من المغرب الأقصى ( منطقة سيدي رحال ) لذلك فاسمها الحقيقي هو ( بية بنت البشير بن الهادي رحال ) ، عشقت فن الموسيقى والغناء وهي بعد طفلة صغيرة ، ثم بدأت بعد ذلك  تغني في الحفلات المدرسية ، ليكتشفها ذات يوم  الملحن  التونسي رضى القلعي ،فقدم لها لحن أول أغنية لها بعنوان ( ظلموني حبايبي ) ، ثم قدم لها نفس الملحن الأغنية الثانية بعنوان ( ياقلبي ايش بكاك ؟؟ ) ،كما يعتبر الفنان صالح المهدي مكتشفها الثاني الذي مهد لها الطريق للدخول إلى عالم الغناء والموسيقى ، وهو الذي أطلق عليها اسم ( علية ) نسبة لأخت الخليفة ( هارون الرشيد ) ، لتصبح المطربة علية من أشهر المطربات في تونس خلال فترتي الخمسينات والستينات ، وفي العام 1957  التحقت الفنانة علية  بالاذاعة التونسية لتصبح مطربة معتمدة بها .

   وفي العام 1968 زارت سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم تونس ، فغنت أمامها الفنانة علية مقطعا من قصيدة ( الأطلال ) ، فأعجبت بها السيدة أم كلثوم ، وشجعتها على الهجرة إلى القاهرة ، وبالفعل زارت علية القاهرة ، لتتألق بمشاركتها  في مهرجان الغناء العربي   حيث  غنت لأول مرة مع  فرقة الموسيقى العربية بقيادة المايسترو عبد الحليم نويرة . وللإشارة،فقد درست علية الموسيقى  في تونس دراسة أكاديمية ، وقد ساعدتها دراستها الموسيقية  على  صقل موهبتها و شق طريقها في مجالها الإبداعي .

  قامت الفنانة علية بالعديد من الجولات الفنية في العديد من دول العالم العربي ،وعندما زارت المملكة المغربية حظيت بتقدير من شعبها العظيم ، وتعرفت إلى الموسيقار المغربي الكبير الاستاذ احمد البيضاوي الذي غنت من تلاحينه الرائعة قصيدة ابن زيدون ( أضحى التنائي بديلا من تدانينا ) ،كما غنت في شعر ايليا أبي ماضي قصيدة ( أنا من أنا ؟ ) في تلحين الموسيقار المغربي الكبير الاستاذ محمد بنعبد السلام ،هذا الأخير الذي قدم لها أيضا لحنا آخر لأغنية وطنية مغربية تتغنى بأمجاد المغرب ، بعد ذلك انتقلت السيدة علية إلى لبنان لتعيش فيه لمدة سنتين ، ثم انتقلت إلى دولة الكويت ، لتستقر بعد ذلك في القطر المصري الشقيق ،حيث قضت بمصر فترة طويلة استطاعت خلالها أن تتعرف إلى كبار أقطاب الغناء العربي ، وفي العام 1981 تزوجت السيدة علية من الملحن المصري الشهير الاستاذ حلمي بكر ، فقدم لها من أروع ألحانه باقة من اخلد أغنياتها ومنها :(ع اللي جرى  لما تيجي وأنا احكي لك ) ، ومن أشهر أغنياتها الوطنية رائعتها التي نحفظها جميعا ( حبايب مصر ) في تأليف الشاعر الغنائي الاستاذ مصطفى الضمراني ولحن المبدع حلمي بكر ، كما غنت السيدة علية أيضا باقة جميلة من تلاحين الموسيقار الكبير الاستاذ بليغ حمدي منها أغنية ( ابكي والناس سامعة ) ،ووفاء لروح سيدة الغناء العربي التي شجعتها على السفر إلى مصر ، وامتنانا منها للسيدة أم كلثوم ، غنت السيدة علية بعد رحيل السيدة أم كلثوم إلى دار البقاء  قصيدة بعنوان ( قيثارة النغم ) في تأليف الشاعر الغنائي الكبير الاستاذ احمد رامي وتلحين الملحن العبقري الاستاذ محمد الموجي .

  وفي عام 1990  ترحل السيدة علية إلى دار البقاء بعد عمر حافل بالعطاء الفني المتجدد ، وعمرها لم يتجاوز الثالثة والخمسين سنة ، بعدما أسهمت في إثراء خزانة الغناء العربي بأروع الروائع الغنائية الخالدة حتى اليوم في الذاكرة العربية ، لنسجل بعد رحيلها بان العمالقة لا يمكن أن نجد لهم بديلا ، ولا يمكن بأية حال أن يكون لهم خليفة في البذل والتميز والعطاء .

 بقلم: الاعلامي احمد رمزي الغضبان

شاهد أيضاً

“الشمعة”.. ضوء إماراتي يبدد عتمة الأسئلة على خشبة الدار البيضاء

أضاءت مسرحية “الشمعة” الإماراتية فضاء مهرجان بن امسيك الدولي للمسرح الاحترافي بالدار البيضاء، في عرض …