الأحد , 25 فبراير 2024
الرئيسية » دراسات نقدية » فيلم ” صمت الذاكرة ” لعبد السلام الكلاعي تأمل هادئ وعميق في قضايا شائكة ومتوترة

فيلم ” صمت الذاكرة ” لعبد السلام الكلاعي تأمل هادئ وعميق في قضايا شائكة ومتوترة

بوشعيب الخياطي

منذ أن دخلت تجربة الإنتاج التلفزيوني حيز الوجود المجال السمعي البصري في بلادنا مطلع القرن الحالي ، ترسخ الاعتقاد لدى العديد من المهتمين بالشأن السينمائي المغربي أن صناعة الفيلم لا يمكن أن تنهض بالاعتماد فقط على الدعم الذي تقدمه الدولة من خلال الصندوق الذي أنشأته لهذا الأمر ، أو من خلال تدخلات القطاع الخاص بمختلف تلويناته ، وإنما بالاعتماد أيضا على إسهامات التلفزيون العمومي ، الذي يعد – ولاشك – رافدا مهما من روافد الإنتاج لا يمكن الاستغناء عنه . ومنذ ذلك الوقت ، أصبح بإمكان السينمائي المغربي أن يشتغل أكثر ، وألا ينتظر سنوات وسنوات من أجل إنجاز فيلمه الثاني . يصدق هذا الأمر على العديد من المخرجين السينمائيين المغاربة ومن ضمنهم ( عبد السلام الكلاعي ) الذي أنجز لحد الساعة فيلمه السينمائي الوحيد ” ملاك ” بدعم تلقاه من المركز السينمائي المغربي سنة 2011 . ولولا تجربة إنتاج الفيلم التلفزيوني لظل ينتظر – وكما هو حال معظم السينمائيين المغاربة – أن ترأف لجنة الدعم بحاله ، وأن تجود عليه بمنحة تعيده مرة ثانية إلى حلبة الصراع مع إكراهات الحرفة . وهو ما تم بالفعل خلال سنة 2014 حينما فاز مشروع فيلمه الثاني ” رجال الليل ” بمنحة تسبيقات على المداخيل لا يختلف اثنان ممن خبروا تجربة الإنتاج السينمائي أنها لن تكون كافية من أجل إنجاز فيلم سينمائي بمواصفات فنية مقبولة . إذن فتجربة إنتاج الفيلم التلفزيوني مكنت ( عبد السلام الكلاعي ) لحد كتابة هذه السطورمن إنجاز ستة أفلام كان آخرها ” صمت الذاكرة ” الذي خرج إلى الوجود سنة 2015 .

يقوم هذا الفيلم – الذي كتب له السيناريو عادل بلحجام وعبد السلام الكلاعي ، وأدى أدواره الرئيسية عبد اللطيف شوقي وهاجر كريكع و محمد الشوبي وكليلة بونعيلات ويونس بواب – يقوم هذا الفيلم على أساس أربع حكايات من الصعب الحكم على أي منها يشكل النواة ، مادام التقاطع هو الخيط الناظم بينها ، ومادام التوازي هو المبدأ المتحكم في حركتها .

الحكاية الأولى بطلها موظف متقاعد أصيب بمرض الزهايمر، فغادر بيته في تجاه مجهول ، ليكون ذلك مدعاة للبحث عنه من طرف ابنته ( مريم ) في مرحلة أولى ، وابنه ( عادل ) في مرحلة ثانية . ويبدو من خلال الحوار الذي دار بين مريم وعادل أنهما يقدمان صورتين مختلفين عن الأب . عادل يرى فيه شخصا حريصا على المال لم يقدم ما كان ينبغي أن يقدمه زوج لزوجته المهددة بالموت ،وأن يقدمه أب لابنه المهدد بالضياع . ومريم تحاول أن تمحو هذه الصورة ، وتعتبرها مجرد افتراء لا يدعمه الواقع . وستكون نهاية هذه الحكاية العثور على الأب من طرف عادل .

الحكاية الثانية بطلها ( عادل ) الذي غادر أهله ووطنه بعد خلاف بينه وبين أبيه ، وبعد أن تبين له أن الوطن ما هو إلا مقبرة للطموحات . غادر وهو محمل بخيبات راكمها جراء علاقته بأبيه ومحيطه وحبيته ( لمياء ) التي كانت آمالها تغرد خارج سرب طموحاته . هناك في الضفة الأخرى نحت له وجودا علميا ، وشيد عالما أسريا سرعان ما تداعت أركانه . وبعد عشرين سنة عاد إلى وطنه استجابة لنداء والده المريض . وعلى عكس المتوقع عاد مشتت الذهن ، قلقا ، مدمنا ، لكن ( لمياء ) ستقتحم حياته مرة ثانية وستساعده على التخلص من أسقامه .

الحكاية الثالثة بطلتها ( لمياء ) التي ألهاها التفكير في مستقبلها الطبي عن تمتين علاقتها ب ( عادل ) فتزوجت رجلا اكتشفت بعد مدة دناءته . تعرضت وإياه لحاثة سير توفي هو على إثرها وأصيبت هي بعاهة مستديمة . استمرت في مزاولة الطب في مصحة بناها أبوها في حياته ، لكنها ستضطر إلى بيع نصيبها في هذه المصحة لشركائها لتتفرغ للحب والقراءة ومساعدة البسطاء من الناس .

الحكاية الرابعة بطلتها ( مريم ) الأديبة الروائية ، أستاذة الأدب العربي التي تعيش في وئام إلى جانب زوجها الودود ( مراد ) المنشغل بأمور الجريدة والحزب . ساندت أباها في محنته واضطرت إلى أن تعيش إلى جانبه في منزله إلى أن غادر ذات صباح فلم تعلم له وجهة . بذلت كل ما في وسعها للاتصال بأخيها وتدعوه إلى العودة تحقيقا لرغبة أبيها المريض، وكللت جهودها بالنجاح فعاد ( عادل ) محملا بأثقال الماضي ، مما جعلها تنهال عليه تعنيفا ، فوجدها فرصة لانتقاد ما كتبت عنه وعن أبيه في سيرتها الذاتية . لكن حبل الود بينهما سيعود إلى ما كان عليه خصوصا حينما قرر ( عادل ) التخلص من هواجس الماضي .

ويبدو أن هذه الحكايات تحمل بين ثناياها جملة من القضايا التي طرح البعض منها واضحا وطرح البعض الآخر مشفرا . من بين هذه القضايا نذكر : الذات والآخر والحب والإبداع والسياسة والذاكرة . وقد لامس ( عبد السلام الكلاعي ) هذه القضايا بشكل هادئ ينم عن تصور معين بشأنها . فهو يبدو متحفظا إزاء السلوك السياسي السائد ، كثير التبرم من آثار هذا السلوك ، قلقا إزاء الذاكرة المتعصبة ، متوجسا من الحمولة الفكرية والوجدانية للآخر ، محتفيا بالحب الباني للعلاقات النبيلة ، مهووسا بقضايا الإبداع وهمومه ، متحفظا تجاه عنفوان الذات وتمردها . ولاشك أن التصور الذي طرحه ( عبد السلام لكلاعي ) يحتاج إلى أكثر من وقفة ، ويمكن الاكتفاء هنا بالإشارة فقط إلى مسألة الحدود الفاصلة بين الرواية والسيرة الذاتية . ف ( مريم ) الأديبة المبدعة كتبت رواية تحدثت فيها عن سيرتها الذاتية ، بما يعني أن لا حدود فاصلة بين الرواية والسيرة الذاتية ، والحال أن معظم التصورات الحديثة في المجال السردي تميز بين الجنسين ، يكفي فقط أن نرجع إلى ( فليب لوجون ) لنتأكد من ذلك . كما يمكن الإشارة في هذا المقام إلى أن طرح الكثير من القضايا دفعة واحدة داخل فيلم تلفزي مكبل بجملة من الإكراهات التقنية والمالية قد يؤثر سلبا على بنائه الدرامي فتضيع من المخرج الخيوط الناظمة للحكاية ،ويضيع معها تركيز المشاهد . وهذا ما لمسناه في المشهد الذي نقل لنا أجواء حفل ميلاد ( إلهام ) حيث الحديث عن السياسة التي تبحث عن ضحايا جدد من المثقفين ، وحيث قطاع الصحة يباع في المزاد العلني . ولكن سرعان ما استعاد الفيلم توازنه خصوصا حينما شرع ( عادل ) في رحلة البحث عن والده التائه .

ومن الواضح أن ( عبد السلام الكلاعي ) كان ينتقل بين حكاياته الأربع بكامل السلاسة دون أن يترك وراءه ما يربك عملية الحكي . ويعود الأمر في نظرنا إلى الحبك الدقيق والراقي للسيناريو الذي استعان على كتابته ب (عادل بلحجام ) . أضف إلى ذلك الاختيار الواعي لطبيعة المعالجة الدرامية . فقد بدا واضحا أن المخرج لا يريد التفريط في مقومات الحكي والفرجة ، ويحاول بالمطلق الابتعاد عن النزعة التجريبية المتعالية التي حولت الكثير من منجزنا السينمائي المغربي إلى كوابيس وأحلام وألغاز واستيهامات .

ولكي لا يتحول هذا الفيلم التلفزيوني إلى رواية مصورة يتجه فيه الحكي إلى الأمام ، ويبدو فيه الإيقاع رتيبا في تواتره ، اختار ( عبد السلام الكلاعي ) بنية زمنية متداخلة أسعفته في تكسير رتابة السرد ، فكان بين الفينة والأخرى يعود إلى الزمن الماضي ليكشف عن أصول حكيه في الزمن الحاضر . فقد كان لكل حكاية من حكاياته الأربع التي يحكيها في الحاضر أصل في الماضي . وقد كان هذا الانتقال بين الماضي والحاضر أيضا سلسا خفيف الظل لم يؤثر قيد أنملة في البناء الدرامي للفيلم .

ومما يحسب ل ( عبد السلام الكلاعي ) في هذا العمل الحرص على ألا تكون الصورة على هامش الحوار أو تابعة له . فقد وفيت حقها كاملا ، واحتلت مساحتها التي تستحقها . لقد كان الحوار يتوقف للحظات طويلة ، ويترك الفرصة للصورة لتكشف عن عوالم الفيلم مثال ذلك مشهد مرافقة ( مريم ) لوالدها إلى الطبيب ، ومشهد جلوسها إلى جانبه واستحضارها لشذرات من حياتها الماضية . ومما زاد الصورة رونقا وبهاء علاقتها العضوية بالأمكنة ، والأشخاص ، تنقل التفاصيل ، وتغوص في الأعماق وكأنها جزء لا يتجزأ مما يعرض أويقدم . أما الحوار فقد انتقيت مفرداته بعناية فائقة لكي يتناسب مع المستوى الفكري والاجتماعي للشخصية . فقد كنا نحس فعلا أننا في حضرة وجوه لها موقعها المعتبر داخل الحقل الاجتماعي : باحثون ، أطباء ، مبدعون ، سياسيون . لكن الذي كان يعوز الحوار هو تلك الشحنة الجمالية التي تجعله ينتقل من الكلام العادي إلى الكلام الشاعري الذي يبعث شيئا من الدفء في وجدان المشاهد . وكم أتيحت ل ( عبد السلام الكلاعي ) من الفرص التي تجعل كلامه كذلك ولكنه أهدرها ، وأخص بالذكر المشاهد الحميمة التي كانت تجمع ( عادل ) ب (لمياء ) . وهناك مظهر آخر أفقد الحوار هدوءه ورزانته هو ذلك الصخب الذي انتاب بعض المشاهد ، والناجم عن ارتفاع أصوات الأطراف المتحاورة زمن الاختلاف والتنافي . وأعتقد أن المبررات الفنية لهذا الصخب تكاد تكون في حكم المنتفية .

ومن أجمل ما ميز هذا الفيلم التلفزيوني ، الاختيار الموفق للمؤثرات الصوتية التي كانت من صميم البناء الدرامي ، ولم تشكل في أي من الأوقات نشازا عنه . ففي أغلب المشاهد كان الهدوء سيد الموقف ، لذلك اختار ( عبد السلام الكلاعي ) مؤثرات صوتية منسجمة مع هذا الوضع : نبرات البيانو ، صوت البحر، غناء الطيور . أما خلال المشاهد المتشنجة فتغيب الموسيقى ، ويحضر الصراخ ، تتلوه لحظات من الصمت العميق .

وبالنسبة للأداء ، فقد برهن أغلب الممثلين عن تملكهم لأصول الحرفة ، فقد كان أداؤهم متميزا ممهورا ببصمة المخرج ، وأخص بالذكر ( عبد اللطيف شوقي ) و( محمد الشوبي ) . فقد كنا نحس أن هذين الممثلين لا يقومان بعملية تمثيل ، وإنما يعيشان الدور المسند إليهما بدون تصنع وبكامل التلقائية ، وأعتقد أن ( محمد الشوبي ) حينما سيشاهد هذا الفيلم سيأسف كثيرا على إسهامه في بعض السلسلات الهزلية الهابطة فنيا والفارغة فكريا . أما ( كليلة بونعيلات ) فقد أبانت خلال أعمالها السابقة عن حس إبداعي رفيع ، لكن يبدو أنها كانت في حاجة إلى وقت أطول لتتشرب شخصية الأستاذة المبدعة التي أدتها في هذا المسلسل ، وهنا كان لابد ل ( عبد السلام الكلاعي ) أن يستعين بتجربته وبمشاهداته لتوجيه ( كليلة بونعيلات ) وإدارتها بالشكل الذي يجعلها تقدم أفضل ما عندها .

وبعد ، فإن فيلم ” صمت الذاكرة ” قد أبان بما لا يدع مجالا للشك أن بإمكان سينمائيينا المغاربة أن ينجزوا أفضل ما عندهم ، وأن يدفعوا عنهم تهما من قبيل ضعف الكتابة ، وفقر المخيلة ، وضحالة التفكير ، وتفكك البناء ، وضبابية الرؤية ، ورتابة الإيقاع وتدني المستوى الفني ، إذا أتيحت لهم الحدود الدنيا من فرص الإبداع . فعلى الرغم من أن “صمت الذاكرة” فيلم تلفزيوني ، وعلى الرغم من أن ما خصص لإنتاجه من تمويل يكاد يكون متواضعا بالقياس إلى ما يخصص للأفلام السينمائية ، فإن التدبير السليم لما أتيح له من إمكانيات ، والتصور الواضح لما ينبغي أن يطرح فيه ، والنهج الراقي لمعالجة ما يرغب في طرحه ، قد جعل منه عملا فنيا غنيا في مضمونه ، جميلا في أسلوبه ، صادقا في خطابه ، مما يجعله جديرا بالمشاهدة والاحتفاء .

شاهد أيضاً

شجون مسرح مغربي بعدسة ونبض رواد مسرح.. (الجزء الأول)

عبد السلام انويكًة هاجس حفظ مسار وهوية وايقاع شاهدٍ ومشهدٍ حتى لا يطويه جدل زمن …