الجمعة , 13 ديسمبر 2019
الرئيسية » دراسات نقدية » ​الملتقيات السينمائية بالمغرب رهان الجودة والتميز

​الملتقيات السينمائية بالمغرب رهان الجودة والتميز

 

عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة حراكا سينمائيا لافتا للانتباه ، سواء على صعيد صناعة الفيلم ، أو على صعيد تنظيم الملتقيات السينمائية . فقد تصاعدت وتيرة الإنتاج السينمائي بحيث بات بالإمكان تحقيق ما يقرب من خمسة عشر فيلما في السنة ، كما ازداد عدد الملتقيات السينمائية بحيث غزا الاحتفال بالسينما جل المدن المغربية . وما كان لهذه الظاهرة أن تنشأ وتنمو في الفضاء الثقافي المغربي لولا الصيغة الجديدة التي نهجتها الدولة في سياسة دعم العمل السينمائي والرامية إلى نشر الثقافة السينمائية ، وتنمية الوعي السينمائي لدى الجمهور المغربي ، بالإضافة إلى ضمان إنتاج سنوي منتظم من الأشرطة السينمائية المحلية . وتفعيلا لهذا النهج عملت الدولة على تقنين وضبط عملية الدعم من خلال إصدار مرسوم حكومي أنشئت بموجبه ثلاث لجان هي لجنة دعم الإنتاج ، ولجنة رقمنة القاعات ، ولجنة تنظيم المهرجانات . وقد أوكل المرسوم لهذه اللجنة الأخيرة مهمة تلقي طلبات الدعم ، وفحصها ، وتحديد الملتقيات التي تستحق الدعم ، ورصد المخصصات المالية لكل ملتقى .

وإذا نظرنا إلى واقع الملتقيات السينمائية بالمغرب ، تستوقفنا مجموعة من الملاحظات ، ترتبط الأولى منها بالدرجة الفنية لهذه الملتقيات ، وترتبط الثانية بانتشارها الجغرافي ، وترتبط الثالثة بالثيمات التي تشتغل عليها ، وترتبط الرابعة بالجهة المشرفة عليها .

بالنسبة للملاحظة الأولى نجد أن هذه الملتقيات قد تم تصنيفها إلى مهرجانات وتظاهرات . فالمهرجانات تضم ثلاث فئات : الفئة أ كالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش ، والمهرجان الوطني للفيلم بطنجة ، والفئة ب كمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة ، والمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا ، ثم الفئة ج كمهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف ، ومهرجان السينما والهجرة بأكادير . أما التظاهرات فلم تتعرض للتفييء ، وإنما أطلقت على كل ملتقى سينمائي تقل قيمة جوائزه عن مائة وخمسين ألف درهم كالأيام السينمائية الدولية لدكالة ، والجامعة الصيفية للسينما والسمعي البصري بالمحمدية . وقد تحكمت في هذا التصنيف مجموعة من المعايير من ضمنها نوعية الملتقى ، وحجمه الفني ، وطبيعة الأفلام المشاركة فيه ، ودرجة تطوره . لكن الملاحظ أن الاعتمادات المالية الموزعة على الملتقيات السينمائية لا تعكس بشكل دقيق التصور الذي على أساسه بني معيار التصنيف ، فالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش مثلا يفوق دعمه بما يقارب النصف دعم المهرجان الوطني للفيلم بطنجة مع أنهما ينتميان لنفس الفئة ، وقل الأمر نفسه عن مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف بالرباط ومهرجان السينما والهجرة بأكادير وهما ينتميان معا للفئة ج ، مما يعني أن تصنيف المهرجانات إلى فئات يحتاج إلى مزيد من التدقيق ، ولم لا إلى إعادة نظر حتى لا تتكرر اسطوانة الاحتجاج التي تلي نتائج كل مداولة من مداولات لجنة الدعم . أما المبالغ المخصصة للتظاهرات السينمائية فالسكوت عنها أبلغ من القول فيها ، فمن المخجل أن تمنح منارة من منارات المغرب الثقافية هي الجامعة الوطنية للأندية السينمائية مبلغا هزيلا لا يتجاوز سبعين ألف درهم لتنظيم جامعتها الصيفية السنوية.

وبالنسبة للملاحظة الثانية نجد أن الملتقيات السينمائية تكاد تغطي المغرب من أقصاه إلى أقصاه . من طنجة شمالا إلى الداخلة جنوبا ، مرورا بالرباط وصولا إلى أكادير دون أن ننسى المدن الصغيرة كشفشاون وطاطا وزاكورة . لكن اللافت للانتباه أن أكثر هذه الملتقيات تتمركز بمنطقة الشمال كطنجة وتطوان ومرتيل وأصيلة ، وتكاد المنطقة الوسطى تخلو من ملتقى سينمائي ذي بال . فمن العجب ألا ينظم بالدار البيضاء ملتقى سينمائي يتناغم ووزن هذه المدينة الاقتصادي والمالي ، فجميع الشروط الكفيلة بتنظيم هذا الملتقى في هذه المدينة متوفرة ، مركب سينمائي من طراز رفيع ، بنيات استقبال ملائمة ، جمهور خبير بالعمل السينما . الشيء الذي يحتم على جهة الدار البيضاء بمسؤوليها ومنتخبيها ومثقفيها التفكير جديا في تأسيس ملتقى سينمائي يضاهي في قيمته وحجمه بعض المهرجانات المغربية أو العربية كمهرجان مراكش أو مهرجان القاهرة .

وفيما يرجع للملاحظة الثالثة يمكن أن نقف عند أصناف شتى من الملتقيات السينمائية . صنف يقوم على أساس معيار الانتماء : دولي ، وطني ، قاري ، مختلط ، وصنف يقوم على أساس النوع : روائي ، وثائقي ، طويل ، قصير وصنف يقوم على أساس الثيمة : المرأة ، الهجرة ، التربية ، الموسيقى ، الطفولة ، الشباب ، الهامش . وقد يبدو هذا التنوع في ظاهره مقبولا لأنه يشير إلى رغبة منظمي الملتقيات في التميز والاختلاف ، إلا أنه يكشف في عمقه عن خلل يساهم في إرباك المشهد ، وتشتيت الجهود . فإذا كان أغلب المهتمين بالشأن السينمائي بالمغرب يقرون أن المهرجان الوطني للفيلم مكسب لا ينبغي التفريط فيه ، بل ينبغي على الجهة المشرفة عليه أن تتولاه بالمزيد من العناية والاهتمام ، وإذا كان مهرجان السينما الإفريقية بمثابة العمود الذي بدونه تتهاوى أركان خيمة الملتقيات السينمائية ، فإن بعض المهرجانات التي تحمل صفة الدولية ، لا يسمح لا تنظيمها ولا برنامجها ولا تمويلها ولا منتجها بأن تحمل هذه الصفة ، باستثناء المهرجان الدولي للفيلم بمراكش الذي لا ينكر إلا جاحد فضله على واقع السينما بالمغرب إبداعا وإنتاجا وتذوقا وإشعاعا . وارتباطا بنفس الموضوع ، فإنه من الأنسب ألا تتقاطع مجموعة من الملتقيات السينمائية في نفس الثيمة . فإذا كان يكفينا – توحيدا للجهود ، واستثمارا فعالا للموارد – مهرجان واحد لسينما المرأة ومهرجان واحد لسينما المؤلف ، فإنه من الأفضل ألا نفكر في تنظيم أكثر من مهرجان مرتبط بالفيلم القصير أو بالفيلم الوثائقي . كما أن الحاجة تدعو إلى التفكير في تأسيس ملتقيات تشتغل على تيماث جديدة كالتاريخ والأدب تنظم في مناطق بعيدة عن المركز تفعيلا لمبدأ الانتشار الجغرافي العادل .

وبخصوص الملاحظة الرابعة فإننا نسجل تنوعا في الجهات المنظمة للملتقيات السينمائية بالمغرب . فهناك مؤسسة رسمية تابعة لجهة حكومية متمثلة في المركز السينمائي المغربي ، ومجموعة من الجمعيات المنتسبة للمجتمع المدني البعض منها أسس من أجل تنظيم الملتقى السينمائي كمؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش والبعض الآخريندرج في إطار الجمعيات المهتمة بالفن السابع كالجامعة الوطنية للأندية السينمائية والبعض الثالث ينتمي إلى الجمعيات الثقافية والفنية والاجتماعية كجمعية أبي رقراق . وإذا كان مفهوما إلى حد ما أن يتكفل المركز السينمائي بتنظيم المهرجان الوطني للفيلم ، فإنه من غير المستساغ أن يسهر على تنظيم مهرجان لا يختلف عن بقية المهرجانات المنظمة في المغرب هو مهرجان الفيلم المتوسطي بطنجة . بل هناك من يدعو إلى أن يعفي المركز السينمائي المغربي نفسه من مسؤولية تنظيم أي ملتقى سينمائي ضمانا للحياد الإيجابي ، وأن يعهد بتنظيم الملتقيات السينمائية بكاملها إلى جمعيات خاصة على غرار مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش . والحق أن المركز السينمائي المغربي ينبغي أن يكون بمثابة الراعي الرسمي بالنسبة لمختلف الملتقيات السينمائية ، وأن يوفر للجنة الدعم كافة الضمانات التي تجعلها تشتغل بكامل الاستقلالية والتجرد ، وأن يكون المعيار الذي يوجه عمل هذه اللجنة هو مدى تحقيق الملتقيات السينمائية للأهداف التي وجدت من أجلها اعتمادا على مقاييس علمية دقيقة وبعيدا عن ضغوط الأهواء والعواطف والولاءات .

وبعد ، فهل استطاعت الملتقيات السينمائية بالمغرب أن تحقق الأهداف التي من أجلها وجدت : تنشيط الحركة الثقافية وتنمية الوعي الفني ، ونشر ثقافة الصورة ، وإغناء المشهد السينمائي المغربي ؟

الحق أن هذه الملتقيات قد أسهمت إلى حد بعيد في تقريب السينما من سكان مجموعة من المناطق الهامشية التي لا تتوفر على قاعات سينمائية ، وبعث الكثير من الدينامية في دواليب المشهد الثقافي ، وفتح جسر التواصل بين الفاعل السينمائي وجمهوره ،وتحقيق إشعاع سينمائي محلي وإقليمي ودولي ، وانفتاح التجربة السينمائية المغربية على التجارب السينمائية العالمية . والحق أيضا أن هذه الملتقيات قد أفرزت العديد من الظواهر السلبية كدعوة نفس الوجوه الإبداعية والنقدية ، وتكرار ذات الثيمات والمواضيع والفقرات ، وتسويق الواجهة بدل التركيز على الرسالة ، وتخصيص أغلب النفقات للضيوف بدل تخصيصها للسينما وجمهورها .

والخلاصة أن الملتقيات السينمائية بالمغرب قد خلقت نوعا من الدينامية في المشهد السينمائي المغربي ، لكنها لم ترق بعد إلى أن تكون رافعة من رافعات الإنتاج السينمائي المغربي ، ولا وسيلة من وسائل تحريك عجلة الاقتصاد الوطني . فنحن في حاجة إلى أن تلفت هذه الملتقيات نظر شركات التوزيع العالمية إلى إنتاجاتنا الوطنية ، ونحن في حاجة أيضا أن تكون هذه الملتقيات وسيلة لإنعاش السياحة الوطنية . كما أن هذه الملتقيات لم تفلح بعد لا في تهذيب الذوق الفني للمشاهد المغربي ، ولا في تحفيز الدافعية لديه من أجل الإقبال على منتجه الوطني . فلا زال الحوار معطلا بين المشاهد المغربي وسينماه المحلية ، ولازالت الكثير من القيم الفلسفية والجمالية ذات البعد الكوني الإنساني بعيدة عن فكر ووجدان طائفة كبيرة من عشاق الفن السابع ببلادنا .

بوشعيب الخياطي .

شاهد أيضاً

تقديرا لمسارها الإبداعي الحداثي: سوزان ستراندانجر تحوز على الجائزة الدولية كارافاجيو للفن

تتويجا لمسارها الإبداعي الحافل بالتجارب البصرية الطلائعية واعترافا بمكانتها الاعتبارية داخل المشهد الفني الحديث، حازت …